أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

674

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

للضمير المستتر . وفائدة التوكيد به رفع المجاز الذي كان يحتمله إسناد الفعل إلى الضمير ، والتنصيص على أنه غير مستطيع بنفسه ، قاله الشيخ . وقرئ بإسكان هاء « هو » وهي قراءة ضعيفة لأنّ هذا الضمير كلمة مستقلة منفصلة عما قبلها . ومن سكّنها أجرى المنفصل مجرى المتصل ، وقد تقدّم تحقيق هذا في أول هذه السورة . قال الشيخ « 1 » : « وهذا أشدّ من قراءة من قرأ : ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ « 2 » قلت : فجعل هذه القراءة شاذة وهذه أشدّ منها ، وليس بجيد ، فإنّها قراءة متواترة قرأ بها نافع بن أبي نعيم قارئ أهل المدينة فيما رواه عنه قالون ، وهو أضبط رواته لحرفه ، وقرأ بها الكسائي أيضا وهو رئيس النحاة . والهاء في « وليّه » للذي عليه الحقّ إذا كان متّصفا بإحدى الصفات الثلاث . وقوله « بالعدل » كما تقدّم في نظيره فلا حاجة إلى إعادته . وقوله : فَاسْتَشْهِدُوا يجوز أن تكون السين على بابها من الطلب أي : اطلبوا شهيدين ، ويجوز أن يكون استفعل بمعنى أفعل ، نحو : استعجل بمعنى أعجل ، واستيقن بمعنى أيقن وفي قوله : شَهِيدَيْنِ تنبيه على أنه ينبغي أن يكون الشاهد ممّن تتكرّر منه الشهادة حيث أتى بصيغة المبالغة . قوله : مِنْ رِجالِكُمْ يجوز أن يتعلّق باستشهدوا ، وتكون « من » لابتداء الغاية ، ويجوز أن يتعلّق بمحذوف على أنه صفة لشهيدين و « من » تبعيضية . قوله : فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ جوّزوا في « كان » هذه أن تكون الناقصة وأن تكون التامة ، وبالإعرابين يختلف المعنى : فإن كانت ناقصة فالألف اسمها ، وهي عائدة على الشهيدين أي : فإن لم يكن الشاهدان رجلين ، والمعنى على هذا : إن أغفل ذلك صاحب الحق أو قصد أن لا يشهد رجلين لغرض له ، وإن كانت تامة فيكون « رجلين » نصبا على الحال المؤكّدة كقوله : فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ « 3 » ، ويكون المعنى على هذا أنه لا يعدل إلى ما ذكر إلا عند عدم الرجال . والألف في « يكونا » عائدة على « شهيدين » ، تفيد الرجولية ، والتقدير : فإن لم يوجد الشهيدان رجلين . قوله : فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ يجوز أن يرتفع ما بعد الفاء على الابتداء والخبر محذوف تقديره : فرجل وامرأتان يكفون في الشهادة ، أو مجزئون ونحوه . وقيل : هو خبر والمبتدأ محذوف تقديره : فالشاهد رجل وامرأتان وقيل : بل هو مرفوع بفعل مقدّر تقديره : فيكفي رجل أي : شهادة رجل ، فحذف المضاف للعلم به ، وأقيم المضاف إليه مقامه . وقيل : تقدير الفعل : فليشهد رجل ، وهو أحسن ، إذ لا يحوج إلى حذف مضاف ، وهو تقدير أبي القاسم الزمخشري . وقيل : هو مرفوع بكان الناقصة ، والتقدير : فليكن ممّن يشهدون رجل وامرأتان . وقيل : بل بالتامة وهو أولى ، لأنّ فيه حذف فعل فقط بقي فاعله ، وفي تقدير الناقصة حذفها مع خبرها ، وقد عرف ما فيه ، وقيل : هو مرفوع على ما لم يسمّ فاعله ، تقديره : فليستشهد رجل . قال أبو البقاء : « ولو كان قد قرئ بالنصب لكان التقدير : فاستشهدوا » قلت : وهو كلام حسن .

--> ( 1 ) البحر المحيط ( 2 / 345 ) . ( 2 ) سورة القصص ، آية ( 61 ) . ( 3 ) سورة النساء ، آية ( 176 ) .